تراث مملكة
تدمر القديمة
English
للاستشهاد بهذا المصدر
معهد بحوث جيتي
المقابلة المقال المعرض

إعادة اكتشاف تدمر من قبل الغرب

التجار الإنجليز في حلب

بدأ السفر إلى تدمر في وقت مبكر من العصور الحديثة بالرحلة الاستكشافية في عام 1691 والتي قام بها التجار البريطانيون المقيمون في حلب والذين خاضوا رحلات خطيرة عبر الصحراء، عند سماع قصص عن هذه الأطلال الضخمة. كان العديد من أفراد المجموعة التي تعمل مع جماعة البريطانيين المسافرة إلى بلاد الشام من المستشرقين الذين درسوا في أوكسفورد ودارسي الكتبِ القديمةِ القيّمةِ الذين كانوا يسعون إلى تحديد هذه المدينة الغامضة. نُشر تقريرهم المفصل المرسل إلى الجمعية الملكية في وقت لاحق بمنظر شامل 180 درجة إذ إنه كان بمثابة دليل مصور ظاهري لمسار رحلتهم خلال أطلال تدمر، عند قراءتها من اليسار إلى اليمين. استنسخ أبيدنيغو سيلير المنظر الشامل بعد ذلك في كتابه آثار تدمر لعام 1696.

البعثة العلمية القديمة

جذبت هذه الأوصاف القديمة للمدينة الأم القديمة الرائعة التي يحدها امتداد من المقابر الضخمة التذكارية الرائعة انتباه المسافرين والعلماء الغربيين الآخرين الذين زاروا الموقع وسجلوا أسلوب تدمر المميز الذي يجمع بين الأساليب اليونانية والرومانية والتقاليد المحلية والتأثيرات الفارسية. إلا أن مجلد المخطوطات أطلال تدمر لعام 1753، الذي يتميز بمجموعة وفيرة من الرسوم التوضيحية ونصوص المعلومات، والذي نُشر باللغتين الإنجليزية والفرنسية من قِبل العالم الكلاسيكي الشهير روبرت وود، قد استولى على خيال الجمهور المثقف. أثرت أطلال تدمر النفيسة وأسلوب الزخرفة الفخم بشكل كبير في الأسلوب الكلاسيكي، خاصة في إنجلترا.

تراث الكلاسيكية الجديدة

تراث الكلاسيكية الجديدة

في ربيع عام 1751، وصل علماء الآثار البريطانيون روبرت وود (الفترة من عام 1717 حتى 1771 تقريبًا) وجيمس دوكينز (الفترة من عام 1722 حتى 1757)، فضلاً عن الرسام الإيطالي جيوفاني باتيستا بورا (الفترة من عام 1713 حتى 1770) إلى تدمر عبر بيروت ودمشق. وللعمل على "إنقاذ روعة آثار تدمر من النسيان"، قام كلٌّ من وود وداوكينز بنسخ نقوش وتحديد حجم الأطلال، فيما قام بورا برسم العديد من الرسومات التفصيلية. وكرر الثلاثي هذه العملية في موقع كبير في بعلبك القديمة في لبنان في العصر الحديث قبل عودتهم إلى بلادهم.

نشر تراث تدمر، القرن الثامن عشر

عند عودتهم إلى إنجلترا، بدأ وود (بدعم مالي من دوكينز) نشر نتائجهم على الفور. تحولت رسومات بورا إلى نقوش وكتب وود نصوصًا موضحة. فضلاً عن أنه لقي ترحيبًا كبيرًا، كان أطلال تدمر، أو بطريقة أخرى تدمر، في الصحراء (1753) مصدرًا للإلهام لتصميم الأعمال الفنية الجديدة وتيسيره. كانت الزخرفة المعمارية فكرة تسيطر على الكثير من الفنانين في ذلك الوقت. انتشرت بعض صور المعالم الإيطالية المعروفة لعقود بعد شعبية الرحلة التعليمية الشاملة، ولكن مع تقديم كتاب وود، بدأت واجهات المباني والأجزاء الداخلية والفنون الزخرفية واللوحات في إنجلترا وأوروبا الغربية في محاكاة الفنون وأسلوب البناء في تدمر.

الصورة اليسرى:
الصورة اليمنى:
التأثير الذي تركه وود

بوضع تدمر في نطاق مسؤولية علماء الآثار الغربيين، فقد جذبت منشورات وود العديد من المسافرين إلى الموقع. وبعد مرور 30 عامًا، قام المهندس المعماري الفرنسي لويس فرانسوا كاساس بتكليف من السفير الفرنسي لدى المحكمة العثمانية بتسجيل المعالم التاريخية التي زارها في رحلته إلى بلاد الشام في الفترة من عام 1785 إلى 1787. مثل منشورات وود، كانت أعمال كاساس مُعدة لجمهور النخبة الذين بإمكانهم تقدير هذا العمل المُنتَج بكثرة والمكوّن من ثلاثة مجلدات والذي تم بيعه عن طريق الاشتراكات ويضم مئات من اللوحات ذات التنسيق الكبير. لكن بسبب اندلاع الثورة الفرنسية (1789-99)، لم يتم إدراك المشروع تمامًا، وتم إنتاج المطبوعات التي صُممت بعد رسومات كاساس بعدد محدود فقط.

نموذج لمقبرة برج من تدمر

فولني

يتضح أيضًا مدى الترابط بين تدمر والثورة الفرنسية في عمل المستشرق والفيلسوف قسطنطين فرانسوا فولني، الكونت فولني (1757-1820)، الذي عاصر كاساس وسافر أيضًا إلى سورية في ثمانينيات القرن الثامن عشر. إن مقالة فولني السياسية الرائعة، الأطلال، أو التأمل في ثورات الإمبراطوريات (1791) تضع تدمر كمثال لانحدار الحضارات العظيمة، وهو موضوع حتمي في الفترة الثورية وأحد العوامل التي شكّلت بنية الحكومات الجديدة.

نموذج لمقبرة برج من تدمر

التكبير غير متوفر

معبد الشمس [بل] من تدمر

التكبير غير متوفر

السفر في القرن التاسع عشر

السفر في القرن التاسع عشر

المستكشِفات النساء، روايات السفر

إن الانتقال من الجمهور الأرستقراطي في القرن الثامن عشر إلى جمهور مثقف في القرن التاسع عشر زاد من المعرفة بالعصور القديمة، التي نشرها توسع الاستعمار الغربي في الشرق الأوسط، الأمر الذي ساهم أيضًا في خلق أشكال جديدة لروايات السفر. أما بالنسبة إلى تدمر، فهناك مثال رئيسي على هذا الأدب الشعبي هو المدافن المصرية والأضرحة السورية ، الذي كتبته إميلي آن بوفورت سميث، فيكونتيسّة سترانغفورد في عام 1862، التي كتبت عما وصفته باعتباره مغامرة على كرسي مريح جدًا لأولئك الذين لم يزوروا تدمر وأضافت إليه بعض الرسومات التوضيحية. في الواقع، تمت مراجعة كتابها من قِبل الدبلوماسي والعالم الذي أصبح زوجها فيما بعد. لقد لقت إطلالات ليدي سترانغفورد الشعرية التي تصف جمال ألوان الصحراء، وروعة الأطلال الممزوجة بأشعة الشمس، والعادات الغريبة للمرشدين "البدو" استحسان جمهور كبير. في الواقع، أعربت عن رغبتها في تشجيع المرأة على خوض هذه الرحلة وتنبيهها إلى سلامة السفر إلى هذه المنطقة. في حين أن النص غالبًا ما يعكس القيم المسيحية في القرن التاسع عشر والتحيز الكلاسيكي، كانت فيكونتيسّة سترانغفورد مسحورة بوضوح بجمال تدمر. كتبت:

سئلت يومًا عما إذا كانت تدمُر "تفوق فكرة كونها جزءًا من حطامٍ قديمٍ مهمل يجسد أحد عصور الاضمحلال أم لا؟" الحق أن نمطها ليس بطبيعي ولا بجامد: فهي شيء لم يحظ مثله بلمسة الفخامة التي تعكس أجواء روما الإمبراطورية الجريئة من قبل: ولكن تدمُر [تدمر] تخلو من جميع مظاهر السوقية التي قد تعكس اضمحلالاً حقيقيًا؛ فمخالفتها للمتعارف عليه دومًا ما تعكس قدرًا من التميز؛ تتدفق من التصميمات روح الفخامة والإبداع، ولكنها تبعد كل البعد عن الابتذال؛ فهي تعكس تحررًا، واستقلالاً، وابتكارًا، لكنها تراعي قواعد الإتقان؛ فخمة للغاية، برقة بالغة؛ إنها حقًا تنعم دومًا بجمال يسلب العقل. (الصفحات 239-40)

وعلى النقيض من انتشار الجماهير الغفيرة التي استمتعت بنصوص مغامرات ليدي سترانغفورد وصور تدمر، فإن صور الموقع التي التقطها لويس فيغنس، والتي ظهرت في هذا المعرض، وصلت إلى جمهور محدود لأنها لم تنشر أبدًا. ومع ذلك، فإن رحلة فيغنس تمثل بدايةالتوثيق الحديث لتدمر، وعهدًا جديدًا من التقارير المرئية.

تراث الملكة زنوبيا

تراث الملكة زنوبيا

بطلة تدمر

لمدة 18 قرنًا ألهمت النصوص العربية القديمة والكلاسيكية التي تشير إلى تدمر وأبرزها تلك التي تروي الحكايات عن ملكتها الأسطورية زنوبيا، الفنانين، والشعراء، والكتاب المسرحيين، والروائيين لإعادة تفسير أو إعادة اكتشاف التاريخ التدمري. أصبحت زنوبيا التي اشتهرت بذكائها وجمالها، وما يكفي من الفطنة السياسية لتكوين جيش للوقوف ضد الإمبراطورية الرومانية في عام 269 ميلاديًا، تجسيدًا لتدمر على مر العصور. عدم وضوح الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال في السيرة الذاتية لزنوبيا بدأ في العصور القديمة؛ حيث تروي بعض المصادر أنها زعمت نسبها إلى كلٍ من ديدو ملكة ومؤسسة قرطاج وكليوباترا السابعة من مصر. توفر الروايات المختلفة التي تؤرخ لوصولها إلى السلطة، وغزوها المدن التاريخية، وموتها في نهاية المطاف مجالاً من الاحتمالات للأعمال الإبداعية لتفسير حياتها على نحو أخلاقي أو مثير.

تراث زنوبيا في الفن، والأدب

وقد صُورت الملكة زنوبيا في أعمال جيوفاني بوكاتشيو (Concerning Famous Women)، وتشوسر (The Monk's Tale)، وبيدرو كالديرون دي لا باركا (La gran Cenobia)، والدراما الكلاسيكية الجديدة الفرنسية (Crébillon's Rhadamiste et Zénobie)، وأوبرات هاندل (Radamisto) وروسيني (Aureliano in Palmira)، والروايات الرومانسية لويليام وير (Zenobia; or, The Fall of Palmyra) وناثانيال هوثورن (The Blithedale Romance)، والعديد من الأعمال الأدبية بلغات متنوعة من العصور الوسطى وحتى يومنا هذا. وباعتبارها موضوعًا في مجال الفنون البصرية، فقد لعبت زنوبيا دور البطلة القوية، أو الجميلة المثالية، أو الإمبراطورة المعزولة. عادة يتم تصويرها على أنها أسيرة، حيث يشاع أنه تم إحضار زنوبيا إلى روما بهذه الطريقة بعد هزيمتها في "السلاسل الذهبية."

الصورة اليسرى:
الصورة اليمنى:

وقد صُورت الملكة زنوبيا في أعمال جيوفاني بوكاتشيو (Concerning Famous Women)، وتشوسر (The Monk's Tale)، وبيدرو كالديرون دي لا باركا (La gran Cenobia)، والدراما الكلاسيكية الجديدة الفرنسية (Crébillon's Rhadamiste et Zénobie)، وأوبرات هاندل (Radamisto) وروسيني (Aureliano in Palmira)، والروايات الرومانسية لويليام وير (Zenobia; or, The Fall of Palmyra) وناثانيال هوثورن (The Blithedale Romance)، والعديد من الأعمال الأدبية بلغات متنوعة من العصور الوسطى وحتى يومنا هذا. وباعتبارها موضوعًا في مجال الفنون البصرية، فقد لعبت زنوبيا دور البطلة القوية، أو الجميلة المثالية، أو الإمبراطورة المعزولة. عادة يتم تصويرها على أنها أسيرة، حيث يشاع أنه تم إحضار زنوبيا إلى روما بهذه الطريقة بعد هزيمتها في "السلاسل الذهبية."

في بعض الحالات، أدت شعبية الملكة زنوبيا إلى صور تدمرية قديمة أو حتى إلى أقسام المدينة المرتبطة بالملكة المحاربة بشكل غير صحيح، أو لا يمكن التحقق منه. تُستمد التصويرات المؤكدة الوحيدة للملكة زنوبيا في العصور القديمة من القطع النقدية القليلة التي ضربتها خلال فترة حكمها القصيرة. تنسخ دولة سورية الحديثة الصور من هذه القطع النقدية على عملتها. في إطار أعمال التصدي لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، أُقيم تمثال الملكة زنوبيا في دمشق عام 2015.